محمد بن جرير الطبري

522

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

بمنزلة " كي " في نصبها الأفعال المستقبلة ، للزومها الاستقبال . إذ كان أصل الجزاء الاستقبال . وقال بعض نحويّي أهل البصرة : تأويل ذلك : لا يكن منكما قُرْبُ هذه الشجرة فأن تكونا من الظالمين . غير أنه زعم أنّ " أن " غير جائز إظهارها مع " لا " ، ولكنها مضمرة لا بد منها ، ليصح الكلام بعطف اسم - وهي " أن " - على الاسم . كما غير جائز في قولهم : " عسى أن يفعل " ، عسى الفعل . ولا في قولك : " ما كان ليفعل " : ما كان لأن يَفعل . وهذا القولُ الثاني يُفسده إجماعُ جميعهم على تخطئة قول القائل : " سرني تقوم يا هذا " ، وهو يريد سرني قيامُك . فكذلك الواجب أن يكون خطأ على هذا المذهب قول القائل : " لا تقم " إذا كان المعنى : لا يكن منك قيام . وفي إجماع جميعهم - على صحة قول القائل : " لا تقم " ، وفساد قول القائل : " سرني تقوم " بمعنى سرني قيامك - الدليل الواضح على فسادِ دعوى المدعي أنّ مع " لا " التي في قوله : " ولا تقربا هذه الشجرة " ، ضمير " أن " - وصحةِ القول الآخر . وفي قوله " فتكونا من الظالمين " ، وجهان من التأويل : أحدهما أن يكون " فتكونا " في نية العطف على قوله " ولا تقربا " ، فيكون تأويله حينئذ : ولا تقربا هذه الشجرة ولا تكونا من الظالمين . فيكون " فتكونا " حينئذ في معنى الجزم مجزومًا بما جُزم به " ولا تقربا " ، كما يقول القائل : لا تُكلم عمرا ولا تؤذه ، وكما قال امرؤ القيس : فُقُلْتُ لَهُ : صَوِّبْ وَلا تَجْهَدَنَّهُ . . . فَيُذْرِكَ مِنْ أُخْرَى القَطَاةِ فَتَزْلَقِ ( 1 ) فجزم " فيذرِك " بما جزم به " لا تجهدنه " ، كأنه كرّر النهي .

--> ( 1 ) ديوانه ، من رواية الأعلم الشنتمري ، القصيدة رقم : 30 ، البيت : 26 . وفي معاني القرآن للفراء 1 : 26 ، ونسبه سيبويه في الكتاب 1 : 452 ، لعمرو بن عمار الطائي ، وسيذكره الطبري في ( 15 : 164 بولاق ) غير منسوب ، ورواية سيبويه " فيدنك من أخرى القطاة " وقوله : " فقلت له " يعني غلامه ، وذكره قبل أبيات . وقوله : " صوب " ، أي خذ الفرس بالقصد في السير وأرفق به ولا تجهده بالعدو الشديد فيصرعك . أذراه عن فرسه : ألقاه وصرعه . والقطاة : مقعد الردف من الفرس . وأخرى القطاة : آخر المقعد . ورواية الشنتمري : " من أعلى القطاة " . وهما سواء .